مصطفى لبيب عبد الغني

223

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

في الشكوك على جالينوس « * » « إني لأعلم أن كثيرا من الناس يستجهلونى في تأليف هذا الكتاب . . . ويعلم الله مضضا في نفسي إذ قد بليت بمقابلة من هو أعظم الخلق علىّ منّة وأكثرهم لي منفعة ، وبه أهتديت وعلى أثره اقتفيت ومن بحره استقيت بما لا ينبغي أن يقابل به العبد سيده والتلميذ أستاذه والمنعم عليه ولىّ نعمته » . ويؤدى ، يشهد الله ، أن هذه الشكوك التي ذكرتها في هذا الكتاب لم تكن في كتب هذا الرجل العظيم قدره الجليل خطره العامّ نفعه الباقي بالخير ذكره . و « إن صناعة الطب والفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساء والقبول منهم ولا مساهلتهم وترك الاستقصاء عليهم ولا الفيلسوف يحب ذلك من تلاميذه والمتعلمين منه ، كما ذكر ذلك أيضا جالينوس في كتابه « منافع الأعضاء » حيث وبّخ الذين يكلفون أتباعهم وأشياعهم القبول منهم بلا برهان . وكان أكثر ما جرّأنى وسهّل على هو أن الرجل لو كان حيّا حاضرا لم يلمنى على تأليف هذا الكتاب ولم [ يثقل ] ذلك عليه ايثارا منه للحق وحبّا لتقصى المباحث وبلوغ أواخر لها ، بل كان سيشرع بهمة ونشاط إلى تصفحه والنظر فيه وحلّ جميع الشكوك الذي فيه وحمدني على أن أصوب شيئا لأن كلامه في هذه المواضح المشكوك فيها صار له فضل وبيان وحراسة من المطاعن على ما كان عليه قبل ، وإما أن يرجع عنها كلها فكان يحمدنى حمدا أكثر إذ مرّت على السهو والغفلة الموكلة بالبشر ، وإما حلّ بعضها ورجع عن بعض وكان يجتمع فيه الأمران . وأما من لا منى وجهّلنى في استخراج هذه الشكوك والكلام فيها فإني لا أرتفع به ولا أعدّه فيلسوفا إذ كان قد نبذ سنة الفلاسفة وراء ظهره وتمسّك بسنّة الرعاع من تقليد الرؤساء وترك الاعتراض عليهم . . هذا أرسطاطاليس يقول : « اختلف الحق وفلاطن وكلاهما صديقان إلا أن الحق لنا أصدق من فلاطن » . ( ص 1 - 2 ) . * * *

--> ( * ) من كتاب " الشكوك على جالينوس " لأبى بكر الرازي - مخطوط .